أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
579
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله تعالى : مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ : في محل نصب على الحال وفي صاحبها وجهان : أحدهما : الهاء المجرورة في « به » . والثاني : « ما » المجرورة ب « في » ، والعامل على كلا التقديرين محذوف ، وقال أبو البقاء : « حال من الهاء المجرورة ، فيكون العامل فيه « عرّضتم » . ويجوز أن يكون حالا من « ما » فيكون العامل فيه الاستقرار » . وهذا على ظاهره ليس بجيد ، لأنّ العامل فيه محذوف على ما تقرّر ، إلا أن تريد من حيث المعنى لا الصناعة فقد يجوز له ذلك . والخطبة مصدر مضاف للمفعول أي : من خطبتكم النساء ، فحذف الفاعل للعلم به . والخطبة مصدر في الأصل بمعنى الخطب ، والخطب : الحاجة ، ثم خصّت بالتماس النكاح لأنه بعض الحاجات ، يقال : ما خطبك ؟ أي : ما حاجتك . وقال الفراء : « الخطبة مصدر بمعنى الخطب وهي من قولك : إنه لحسن الجلسة والقعدة أي : الجلوس والقعود ، والخطبة - بالضم - الكلام المشتمل على الوعظ والزجر ، وكلاهما من الخطب الذي هو الكلام . وكانت سجاح يقال لها خطب فتقول : نكح . قوله : أَوْ أَكْنَنْتُمْ « أو » هنا للإباحة أو التخيير أو التفصيل أو الإبهام على المخاطب ، وأكنّ في نفسه شيئا أي : أخفاه ، وكنّ الشيء بثوب ونحوه : أي ستره به ، فالهمزة في « أكنّ » للتفرقة بين الاستعمالين كأشرقت وشرقت . ومفعول « أكنّ » محذوف يعود على « ما » الموصولة في قوله : « فيما عرّضتم » أي : أو أكننتموه . ف « في أنفسكم » متعلّق ب « أكننتم » ، ويضعف جعله حالا من المفعول المقدّر . قوله : وَلكِنْ هذا الاستدراك فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه استدراك من الجملة قبله ، وهي قوله : « ستذكرونهنّ » ، فإنّ الذّكر يقع على أنحاء كثيرة ووجوه متعددة ، فاستدرك منه وجه نهي فيه عن ذكر مخصوص ، ولو لم يستدرك لكان من الجائز ، لاندراجه تحت مطلق الذّكر . وهو نظير : « زيد سيلقى خالدا ولكنّ لا يواجهه بشرّ » . لمّا كانت أحوال اللقاء كثيرة ، من جملتها مواجهته بالشرّ ، استدركت هذه الحالة من بينها . والثاني - قاله أبو البقاء - : أنه مستدرك من قوله : « فيما عرّضتم » وليس بواضح . والثالث : - قاله الزمخشري - أنّ المستدرك منه جملة محذوفة قبل « لكن » تقديره : « فاذكروهنّ ، ولكن لا تواعدوهنّ سرا » وقد تقدّم أنّ المعنى على الاستدراك من الجملة قبله فلا حاجة إلى حذف . . . ، وإنما الذي يحتاجه ما بعد « لكن » وقوع ما قبلها من حيث المعنى لا من حيث اللفظ ، لأنّ نفي المواجهة بالشرّ يستدعي وقوع اللقاء . قوله : سِرًّا فيه خمسة أوجه : أحدها : أن يكون مفعولا ثانيا لتواعدوهنّ . والثاني : أنه حال من فاعل « تواعدوهنّ » أي : لا تواعدوهنّ مستخفين بذلك . والثالث : أنه نعت مصدر محذوف أي : مواعدة سرا . والرابع : أنه حال من ذلك المصدر المعرّف ، أي : المواعدة مستخفية .